بين الحماية ونزع الحرية.. ما أسباب وتداعيات ارتفاع حظر سفر الأطفال في السويد؟

بين الحماية ونزع الحرية.. ما أسباب وتداعيات ارتفاع حظر سفر الأطفال في السويد؟
أزمة سفر الأطفال في السويد

شهدت السويد خلال العام الأخير ارتفاعاً لافتاً في عدد قرارات منع سفر الأطفال والمراهقين إلى خارج البلاد، ولا سيما الفتيات، إذ قفز عدد حالات حظر السفر المسجلة من 51 حالة في الفترة بين يونيو 2023 ويونيو 2024 إلى 258 حالة في الفترة المناظرة حتى يونيو 2025، وهو ما يعادل زيادة تقارب خمسة أضعاف في غضون سنة واحدة، وهذا الارتفاع تجسده بيانات وتقارير وطنية، وأثار جدلاً حول ما إذا كانت الآليات الجديدة لحماية القاصرين تكفي لمواجهة المخاطر أم إنها تفتح أبواباً أمام قيود واسعة على حرية الحركة دون ضمانات كافية. 

ودخلت تعديلات تشريعية حيز التنفيذ في 1 يونيو 2024 بعد موافقة البرلمان السويدي، وقد وسعت نطاق الحالات التي يمكن بمقتضاها إصدار أمر بمنع سفر القاصر، وقبل ذلك كانت القاعدة تركز أساساً على حالات محددة مثل خطر الزواج القسري أو ختان الإناث، أما التعديلات فسمحت للسلطات باتخاذ قرار منع السفر عندما تجد مؤشرات قوية على احتمال تعرض الطفل لأضرار جسدية أو نفسية أو تهديد لنموه خلال التواجد في الخارج.

وبموجب النصوص الموسعة بات يمكن تطبيق المنع في حالات تتعلق، مثلاً، بإرسال الأطفال إلى معسكرات تربية خارج السويد، وإخضاعهم لعلاجات قسرية لتغيير الميول الجنسية، أو تهريبهم لتجنب تدخلات الرعاية الاجتماعية.

تنفيذ متسارع أم استجابة ناقصة؟

أظهرت مؤشرات عملية أن تطبيق النصوص لم يكن متجانساً، وأن ثغرات إجرائية لا تزال تعوق سرعة الحماية، وتؤكد منظمات متخصصة أن ثمة حالات لا تزال تفلت من الرقابة رغم التشديدات القانونية، إذ تُقبل في بعض الأحيان روايات الأهل دون تحقيق كافٍ، أو يأتي قرار المنع متأخراً بعد أن يكون القاصر قد غادر البلاد.

كما تبيّن حالات أبلغت فيها الشرطة أن التنسيق بين قوتها ودوائر الرعاية المحلية بحاجة إلى تسريع لضمان حماية فورية، وعلى المستوى المؤسسي أصدرت هيئة الصحة والرفاهية (Socialstyrelsen) دليلاً توجيهياً لمساعدة الجهات المعنية على تطبيق التعديل، لكن الحاجة إلى تدريب وموارد وتنسيق متبادل بين جهات إنفاذ القانون والسلطات الاجتماعية لا تزال قائمة. 

وتوضح قضايا فردية كيف أن التأخير الإداري أو ضعف التنسيق يمكن أن يُكلّف طفلاً حقه في الحماية، ففي حالات أُبلغت فيها الأجهزة عن خطر على فتاة قاصر، جاء قرار المنع متأخراً فغادرت شقيقتها البلاد قبل صدور القرار، وفي حالات أخرى نُقل عن فتيات تعرضن لعنف أو تهديدات إثر سفرهن إلى بلدان المنشأ، ما يسلط الضوء على محدودية الأدوات التنفيذية رغم التشدد التشريعي.

ردود الفعل الحقوقية والمدنية

رحبت جمعيات مدافعة عن حقوق الأطفال والنساء بوجود أدوات قانونية أوسع لحماية القاصرين، لكنها حذّرت في الوقت نفسه من أن القوانين وحدها لا تكفي دون ضمانات عملية لحق الطفل في الاطلاع وإبداء الرأي والحق في إجراءات طارئة فعّالة، وقد أصدرت منظّمات مثل منظمة غولم آلدريغ بيلا وفاديمه (GAPF) ملاحظات تفيد بأن تنفيذ المنع ما يزال دون المستوى المطلوب وأن كثيراً من الحالات تُهمل أو تُعالج بتساهل، وسبق أن طالبت منظمات دولية وحقوقية بالاستمرار بضمان آليات قضائية مستقلة لمراجعة قرارات المنع، وتأمين طرق طارئة لإعادة الأطفال الآمنين إلى السويد عندما يتبيّن أن قرار المنع صدر متأخراً أو لم ينفّذ وفق "هيومن رايتس ووتش".

وتقع هذه المسألة ضمن منظومة حقوقية دولية ملزمة للسويد فالاتفاقية الدولية لحقوق الطفل تضع مبدأ مصلحة الطفل الفضلى في صلب أي قرار يؤثر في حياته، كما تمنحه حقوقاً في الحماية، والرعاية، واحترام آرائه، في المقابل تفرض المعايير الأوروبية والاتفاقيات الدولية احتراماً لحقوق الأسرة وحرية الحركة وضرورة التقييد بما يقتضيه القانون وبما يتوافق مع مبدأ التناسب والإجراءات القضائية الواجبة.

 السويد ملزمة أمام هذه المعايير بضمان أن تكون قرارات منع السفر محددة زمنياً ومبرَّرة وموضوعية، وأن تتوافر آليات استئناف مستقلة وسريعة، وأن يُستمع إلى الطفل وفقاً لظروفه وعمقه النضجي، كما يتطلب القانون الدولي أن تكون التدابير الأخيرة (مثل سحب جواز السفر أو منعه) مصحوبة بملاحق إنسانية وإجراءات للمتابعة.

تأثيرات القيود المتزايدة على سفر الأطفال متعددة. فعلى الصعيد الإنساني، قد تقطع بعض الإجراءات سبل التواصل الأسري أو تمنع أطفالاً من رأب صلات تاريخية مع ذويهم حين يكون السفر في مصلحة الطفل، وعلى الصعيد الوقائي، فإن التأخير في تطبيق المنع قد يعرض الأطفال إلى مخاطر حقيقية في الخارج، وعلى الصعيد القانوني، يفتح الاستخدام الواسع للقيود نقاشات حول رقابة المحاكم وسبل الإفادة من ضوابط تضمن عدم المساس بحقوق الطفل دون مبرر واضح.

مقترحات لتعزيز التوازن

تجارب الدول وإرشادات الخبراء تبرز عناصر أساسية تتمثل في تسهيل إجراءات الطوارئ بحيث تصدر قرارات مؤقتة سريعة مع مراجعة قضائية لاحقة، وتدريب عناصر الشرطة والسلطات الاجتماعية على مؤشرات الخطر وطرق التعامل العاجل، وتحسين آليات تبادل المعلومات عبر الحدود، وإشراك الطفل وفقاً لسنّه ونضجه في اتخاذ القرار، وتأسيس نظام شفافية وتوثيق يتيح قياس أثر التطبيق لغايات تطوير السياسات، كما توصي جهات مستقلة بأن تُصمم إجراءات الحظر بحيث لا تحول دون تلبية احتياجات تعليمية وصحية حقيقية للأطفال، وأن يتوفر نظام طوارئ لإعادة القصر إن ثبت تعرضهم للضرر في الخارج. 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية